لم تعد مقولة رؤية الشيء تعني تصديقه قاعدة ذهبية يمكن الاستناد إليها في غرف التحرير الحديثة أو في أروقة صنع القرار السياسي أو حتى في تفاعلاتنا اليومية البسيطة في عصر تتشابك فيه التكنولوجيا المتقدمة مع حرب المعلومات المعقدة، برز التزييف العميق (Deepfakes) كأحد أشد الأسلحة فتكاً وتأثيراً في ترسانة التضليل الإعلامي المعاصر.إن القدرة الفائقة على تخليق مقاطع فيديو وصوتيات وصور لأشخاص يقولون أو يفعلون أشياء لم تحدث قط وبدقة متناهية تعجز العين البشرية عن كشفها قد أدخلت البشرية في أزمة معرفية حقيقية تهدد نسيج الحقيقة ذاته. لم يعد الأمر مقتصراً على الخدع البصرية الترفيهية العابرة التي عرفها العالم في بدايات العقد الماضي، بل تحول إلى صناعة قائمة بذاتها تستهدف تزييف الوعي الجماعي وتوجيه الرأي العام وابتزاز المؤسسات والتلاعب بالأسواق المالية وتقويض العمليات الديمقراطية
التزييف هو مجموعة فرعية محددة ومتقدمة جداً من هذه الوسائط تأخذ بشكل مكثف على اللوح بالمعلومات المرئية أو تسمعها وتأذن لها أو تستبدلها بشكل مقنع. وتعتمد هذه التقنية على خوارزميات التعلم العميق والشبكات الجماهيرية التي تقوم بتحليل مجموعات البيانات الضخمة من الصور ومقاطع الفيديو والصوتيات المستهدفة. تقوم هذه الخوارزميات بدراسة أدق التفاصيل تعابير الوجه، حركة الشفاه، نبرة الصوت، وطرق السلوك، مما يؤدي إلى تركيب هذه الأرباح في مقطع فيديو آخر بكل سلاسة، مما يتيح استبدال وجه شخص بآخر، أو نطق شخص بكلمات لم تقلها قط. ومع التطور السريع والمستمر أصبحت تقنيات التزييف أكثر سهولة في الوصول إليها لإعداد مقطع فيديو مزيف حكراً على استوديوهات هوليوود أو خبراء الألعاب بل اختيار اليوم أدوات رئيسية وتطبيقات تجارية تجعل بينيل من لأي شخص تقريبا إنشاء محتوى مزيف، ما يستفيد منه كم من البيانات الشخصية والمتاحة للجمهور على منصات التواصل الاجتماعي كما وأوضح الإعلامي احمد الحربي ذلك التأثير التزييف على وعلى الثقة بهم بالمادة المطروحة بسبب التلاعب بالصوت والفيديوهات المزيفة وبعده أصبح لايملك الثقة بالمحتوى وهنا المشاركة بفقدان الثقة والمصداقية ، ولاشك انه سيصدر الرأي العام ، لسهولة انتشاره واستخدامه وممارسة المحتوى يريده ومعانيه اساسية…
لغة الأرقام: الانفجار الكمي والنوعي للظاهرة
إن مراقبة مسار نمو التزييف العميق تكشف عن تسارع دراماتيكي يتجاوز التوقعات التقليدية لأمن المعلومات. لقد تحولت الظاهرة من مجرد إنتاجات فردية إلى صناعة تعتمد على المقياس الصناعي للاحتيال وابتزاز الأموال والتلاعب. وتؤكد الإحصاءات الحديثة أن هذا التهديد ليس في طور النمو الخطي، بل يشهد انتشاراً فيروسياً يتفوق على وتيرة تطور معظم التهديدات السيبرانية الأخرى، مما يخلق بيئة معلوماتية شديدة التلوث.
في عام 2023 تم رصد وتداول مايقارب من 500,000 ملف تزييف عميق (صوتي ومرئي) عبر منصات التواصل الاجتماعي حول العالم. ومع دخولنا عام 2025 قفز هذا الرقم بشكل هائل ليصل إلى 8 ملايين ملف مشارك عبر الإنترنت. هذا الرقم يمثل معدل نمو سنوي مرعب ، يبلغ 900%حيث تتضاعف أعداد مقاطع الفيديو المزيفة كل بضعة أشهر وتتضاعف الهجمات المرتبطة بالتزييف العميق كل شهر تقريباً
علم النفس الاجتماعي: كيف تبتلع "غرف الصدى" عقول الجماهير؟
في دراسة معمقة نشرتها مجلة " الرسالة " للدراسات العلمية (نوفمبر 2023) للدكتور دبيح يوسف من جامعة 20 أوت 1955 بالجزائر، تم تفكيك العلاقة المعقدة بين الذكاء الاصطناعي وتشكيل الرأي العام الرقمي. توضح الدراسة أن الرأي العام كان يتشكل سابقاً في الفضاء العمومي التقليدي ويخضع لآليات تفرضها أطراف محددة كالسلطة أو وسائل الإعلام الجماهيرية. ولكن في العقد الأخير، تغيرت المعادلة جذرياً؛ إذ باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الشبكات الاجتماعية تملك من القوة والتأثير ما يفوق المؤسسات التقليدية، لتصبح هي الأمر الناهي في تشكيل المواقف العامة.
وتعتمد هذه المنصات في عملها على آلية تُعرف بـغرف الصدى تعمل الخوارزميات (على منصات مثل فيسبوك وتلغرام وكلوب هاوس) على تتبع سلوك المستخدم وحصره في محتوى يتوافق تماماً مع أفكاره وميوله واهتماماته السابقة. هذا العزل المعلوماتي يخلق لدى الفرد ما يُسمى بـوهم التوافق حيث يعتقد، من خلال تفاعله المستمر مع من يشبهونه في التفكير فقط، أن آراءه تحظى بإجماع واسع النطاق. يؤدي هذا إلى تشويه منظور الفرد للواقع ويجعله أعمى عن رؤية وجهات النظر المعارضة
موت الحقيقة و أرباح الكاذب
في تحليل نشره معهد بروكينغز يوضح الخبراء أن التزييف العميق يربك فهمنا للحقيقة لكونه يستغل ميلنا البشري الفطري للثقة في الأدلة التي نراها بأعيننا، محولاً الخيال إلى واقع مرئي محسوس. ولكن الأثر الارتدادي والتبعي هو ما يثير قلق علماء الاجتماع بشكل أعمق: فكلما تزايد وعي الجمهور بوجود ظاهرة التزييف العميق وخطورتها، انحسرت ثقتهم تدريجياً في جميع الوسائط المرئية والمسموعة، بما في ذلك مقاطع الفيديو الجديرة بالثقة والحقيقية تماماً. الحقيقة ذاتها تصبح مراوغة، لأننا نعيش في حالة شك دائم.
هذه الحالة المعرفية المعقدة يطلق عليها الأكاديميون والخبراء مصطلح "أرباح الكاذب". هذه النظرية توفر درع واقي وتذكرة خروج مجانية للسياسيين والمجرمين والأنظمة القمعية. إذا ظهر مقطع فيديو حقيقي وموثق يُظهر شخصية عامة ترتكب سلوكاً غير قانوني، أو تنخرط في فساد، يمكن لتلك الشخصية ببساطة أن تدعي أن المقطع ليس سوى "تزييف عميق" استهدف الإطاحة بها. في بيئة تفتقر للثقة، وفي ظل صعوبة التحقق الفوري المتاح للعامة، يصبح النفي مقنعاً لقطاع واسع من الجمهور. وهنا، كما عبرت إحدى الأوراق البحثية بقسوة ودقة: "التزييف العميق هو المكان الذي تذهب إليه الحقيقة لتموت
لم يعد التزييف العميق مجرد ابتكار تقني عابر أو أداة ترفيهية طائشة، بل هو أداة دمار شامل للموثوقية المعلوماتية والثقة العامة. إن تضافر قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على هندسة واقع مرئي ومسموع شديد الزيف، مع استراتيجيات التضليل الممنهجة وعمليات الاستهداف السياسي، وتوظيف الخوارزميات التي تعزل الأفراد في "غرف صدى" فكرية عمياء؛ يضع المجتمعات البشرية والأنظمة الديمقراطية أمام اختبار إبستمولوجي وأمني غير مسبوق
اهمية دراسة بحثية عن مركز الجزيرة للبحث العلمي هيئة السياحة السعودية والذكاءل الاصطناعي (سدايا) وكالة الأنباء السعودية (واس) سكايا نيوز عربية المنتدى الاقتصادي العالمي مؤتمر فرانسيسكو لمعهد الأمن بروكينز مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بتانعاون مع أوروبا مبادرة الأوربيين للذكاء الاصطناعي جامعة تكساس مركز المشاركة في شبكة الصحافة الاستقصائية المركز العالمي للدراسات الاستراتيجية والتجارية
فاطمه محمد المعيرفي /تهاني السحيمي